محمد راغب الطباخ الحلبي

353

إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء

حتى إن التحارير التي كانت تأتيه من أهله كان يتركها على الرف حتى انتهى من التحصيل وعول على الرجوع ، وحينئذ فتحها فوجد أن فلانا من أقاربه قد تزوج وفلانا قد مات إلى غير ذلك ، وقصد بذلك أن لا يشغله عن العلم شاغل آخر . وعاب عليه الطلاب في الأزهر الانزواء وعدم الاختلاط وعدم الخروج ، فما زالوا به حتى خرج معهم مرة ، فخرج ومعه كتابه إلى بعض رياض مصر ، فترك رفقاءه وهم ساهون لاهون في بعض الألعاب وانفرد هناك عن إخوانه وأخذ في مطالعة درسه وحمد اللّه الذي أشغلهم عنه . وفي اليوم الثاني لما حضر هو ورفقاؤه بين يدي أستاذهم تبين تقصيرهم لعدم مطالعتهم ، ولما علم الأستاذ ذلك شكره كثيرا وأنحى باللائمة على الباقين . ولما عول على الرجوع إلى بلدته طلب من مشايخه أن يأذنوا له بالسفر وأن يجيزوه بالتدريس فيها ، فأذنوا له وأجازوه بذلك . ومما يحكى عنه أنه لما عزم على الرجوع ترك الحضور ذلك اليوم فقط وأخذ في تهيئة حوائجه وكتبه ، فرآه الشيخ إبراهيم البيجوري وهو منفرد في زاوية من زوايا الأزهر ، فقال لمن حضره : إن هذا الرجل الذي ترونه بهيئة المساكين واللّه لم يحصّل طالب علم في مصر بقدر ما حصّل ، وسيكون له شأن عظيم . عوده إلى حلب : عاد إلى حلب سنة 1243 بعد أن جاور في الأزهر ثلاث عشرة سنة ، وكان أخوه الشيخ محمد هو المتصدر فيها وإليه المرجع في فقه الشافعية ، لذا لم يشتهر أمره في التدريس ، فأخذ في التأليف فألف في كل فن ، وبقي على ذلك إلى سنة 1250 ، ففيها توفي أخوه فتولى وظائفه في دروس الجامع الكبير وفي المدرسة الرحيمية والعثمانية والقرناصية والصروي وفي إفتاء الشافعية ، وجاءه المنشور في ذلك « 1 » ، وكانت الشهباء وقتئذ في حاجة إلى مثله

--> ( 1 ) أقول : قد اطلعت على هذا المنشور عند حفيد ابن أخيه صديقنا الشيخ إبراهيم الترمانيني ، وفيه ما ترجمته : قدوة العلماء الكرام نخبة الفضلاء الفخام ، ترمانيني زاده الشيخ أحمد أفندي المكرم . بعد السلام ننهي إليكم أنه بناء على ارتحال أخيكم الشيخ محمد الترمانيني مفتي الشافعية من دار الفناء إلى دار البقاء فقد انجلت وتعطلت بذلك خدمة الفتوى الجليلة ، وبناء على لزوم تعيين مفت للشافعية بدلا عنه وإعطاء إذن له بالإفتاء ، وبما أنك شافعي المذهب وعلمك وفضلك وكمال وقوفك على الفقه الشافعي محقق فقد انتخب جنابك من قبل الشرع لإفتاء الشافعية وأحيل ذلك لحضرتكم وأعطي لكم إذن بالإفتاء ، فعليه أرسلنا لطرفكم هذه المراسلة المحتوية على الإذن والرخصة بالإفتاء ، فيلزم أن تعلموا بموجبها والسلام . حرر في صفر سنة 1251 ( الختم ) اللهم سهل أمور السيد محمد عزيز .